السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
113
أصول الفلسفة
على المادّة الدماغية ، فالحاصل لدى العالم بالشيء ، شيء وراء الخارج ، وراء القوّة الفكرية ، وان كان متكوّناً منهما ومبنياً عليهما كالثمرة من الشجرة والوليد من الوالدين ، لكن الفرع غير الأصل ، والأساس غير البناء « 1 » .
--> ( 1 ) . ولنقدّم كلاماً في توضيح المقصد : إنّ العلم إمّا حضوري وإمّا حصولي فلو حضر المعلوم بما له من الواقعية أيبوجوده وماهيته عند المدرك ، فهو علم حضوري لحضور المعلوم بوجوده الخارجي عند النفس بذاته كإدراك الجوع والعطش ، فانّهما حاضران لدى النفس بما لهما من الوجود العيني لا بصورتهما وماهيتهما ، ولو كان الحاضر لدى القوى الإدراكية ماهية المعلوم لا وجوده ، أو صورته لا عينه ، فهو علم حصولي ، لانتزاع صورة من الخارج ، أو إنشاء صورة ذهنية في النفس مثل الصورة الخارجية كالعلم بكون زيد قائماً ، والسماء موجودةً وهكذا . وبذلك تقف على أنّ العلم في القسم الحضوري ، ليس أمراً وراء وجود المعلوم وشخصيته ، بل المعلوم بهويّته الخارجية العينية حضر لدى مدركه ، ولأجل ذلك يسمّى علماً حضورياً لحضور المعلوم بما له من الواقعية الخارجية بلا انتزاع صورة ذهنية من معلومه . نعم الصورة العلمية في العلم الحصولي ، تباين وجود المعلوم في الخارج إذ الصورة العلمية من كوكبنا ( الأرض ) غير الكرة العنصرية الخارجية . والحاصل : أنّ واقعية العلم ( وجوده ) غير واقعية المعلوم ، وانّما احتالت النفس أو القوى المدركة لغاية الوصول إليه بانتزاع صورة منه كانتزاع الآلة المصورة ( الكاميرا ) صورة الأشياء - مع البون الشاسع بينهما . وبما انّ لهذه الصورة العلمية خصيصة الحكاية عن خارجها ربما يتخيّل المدرك في بادىء الأمر انّه نال نفس الخارج بلا واسطة غير انّه سوف يدرك انّ ما أدركه انّما هو صور موجودات عينية غير انّه بعد ما عرج مدارج الكمال ، يتطلّب عن العلل الموجدة لهذهالصور في المدارك العقلية ، ويقف على أنّ للوجودات العينية ، تأثير في إبداع هذه الصور . والحاصل : أنّ المدرك يعتقد في المرحلة الأُولى ، انّه نال نفس الخارج غير انّه يدرك في المرحلة الثانية انّ ما أدركه هو صور الأشياء لا نفسها ، كما انّه يقف في الثالثة منها ، انّ للأعيان الخارجية تأثيراً في حصولها ، نعم يجب على الفيلسوف إعطاء النظر في أمر آخر ، قبل أن يصل دور التحقيق لثالث المراحل وهو التعمّق في الرابطة الموجودة بين المفاهيم الذهنية ، ومصاديقها الخارجية حتى يقف على حقيقة تلك الرابطة ويكشف مغزاها ، إذ عليها يتفرغ البحث في المراحل الثلاث . ولولا هذه الرابطة المرموزة لما يتخيل انّه نال نفس الخارج ، ولما وقف في المرحلة الأُخرى على أنّ لما وجد مصاديق عينية ، وتشريح تلك الخصيصة على عاتق الفلسفة وعلى ذلك ينتزع البحث المعروف حول قيمة الإدراكات ، التي سنبحث عنها في رابع المقالات . إذا عرفت هذا فنقول : إنّ السوفسطائيين قد ضربوا على كاشفية العلم قلماً عريضاً وأنكروا العلم والعلوم حسب ما وقفت على آرائهم غير انّهم ينكرونه بلسان مقالهم ، لا حسب فطرتهم . وأمّا المادّيون - أصحاب الفلسفة المادّية الجدلية تراهم ينكرون السفسطة والفلسفة المثالية وينقمون منهم ما ينتمى إليهم ويعرّفون مسلك المادّي الحديث بالمسلك التحقيقي ، غير انّهم جاءوا برأي في حقيقة العلم ، لا يقصر عن آراء قرنائهم . قالوا : إنّ الصور العلمية ، والآراء الإنسانية وكلّما يحصله الإنسان من تفكير ، لا حقيقة لها سوى كونه أمراً مادّياً وليد المادّة ، وسبيلها سبيل سائر الأُمور المادّية ، فكما انّ جميع ما يتراءى في عالم الطبيعة يرجع إلى العوامل الطبيعية ، وهو نتيجة سلسلة من العلل المادّية ، يحصل من تفاعل المادّة بعضها في بعض ، فهكذا الصور العلمية ، فهي آثار دماغية تحصل من تأثير العوامل الخارجية على الأدمغة ، ولا يوجد أيرابطة بينها وبين أعيانها سوى الانتاج والتوليد . ونحن نسأل المادّي : انّه إذا أنكر المادّي عامة الروابط بين العلم وخارجه ومصداقه ، من طريقيته وكاشفيته ولم يعترف إلّا برابطة التوليد والانتاج فما معنى كاشفية العلم عن واقعه ، ومن أين علمنا انّ لصورنا الذهنية والمفاهيم العلمية ، مصاديق في الخارج ، إذ الاعتراف برابطة واحدة وهي رابطة التوليد والانتاج لا يثمر أزيد من أن لحصول العلم منشأ وعلّة خارجياً ، توجب حصول هذه الحالة ( التفكير ) في مداركنا ، وأمّا أنّ لما نتصوره مصداقاً وراء صورته فلا تنتجه الأُصول المادّية . وإن شئت قلت : إنّ ما جنح إليه المادّي من أنّ الفكر والعلم على حذو سائر الأُمور ، له علله وأسبابه المادّية بحيث لم يعترف وراء ذلك بأي صفة له من طريقيته وكاشفيته ، فإنّ ذلك يجرّه إلى السفسطة إذ من أين وقف على العالم الخارج وانّه علّة لوجود تلك الحالة ، والمفروض انّه ليس لنا طريق لكشف أية حقيقة من الحقائق سوى هذه الصور العلمية فلو سلبت منها الحكاية من رأس ولم يعترف إلّا بقانون العلّية ، ورابطة التوالد فمن أين وقف المادّي على تأثير الخارج في مخّه ودماغه وأجهزته الإدراكية .